الشهيدة ميسون الهاشمي في ذاكرة مكتب شؤون المرأة للحزب الاسلامي
العراقي
(اننا نعيش لأنفسنا حياة مضاعفة، حينما نعيش
للآخرين، وبقدر ما نضاعف احساسنا بالآخرين، نضاعف احساسنا بحياتنا، ونضاعف هذه
الحياة ذاتها).
في النهاية..هذه الكلمات كانت آخر ما قرأته الشهيدة عند انتهاء دوامها أي قبل يوم
من اغتيالها.
حينما تلقينا خبرا مفاده ان رجالاً مدججين بالسلاح قاموا باطلاق عشرات الرصاصات على
الاخت ميسون الهاشمي فأردوها شهيدة، استغربنا الموقف وأردنا ان نجد رابطاً او سبباً
محدداً برغم كل ما قيل بانها مستهدفة من اجل اشخاص آخرين، فهل من الممكن ان يستهدف
انسانا بسبب انسان آخر!! ام ان هناك اسباباً اخرى، كأن تكون امرأة مسلمة تذكرنا
بقدواتنا الأوائل، فهل من الممكن ان تكون قد ارعبتهم بحديثها ونشاطها ودأبها على
المضي في سبيل اعلاء كلمة الله -عز وجل- بصوت واثق صادر من امرأة مسلمة لتكون سنداً
وعوناً لأخيها الرجل المؤمن الصابر، فهي امرأة مسلمة كانت تؤكد دائماً في العمل
(احرصوا على ألا يعرف احد انني شقيقة طارق الهاشمي..انا زاهدة في الدنيا..خدمت
العراق سنين طويلة واريد اليوم ان اخدم نفسي واعمل لآخرتي عملاً خالصاً من دون اجر
مادي او معنوي برغم اني لم انسَ في اية لحظة من لحظات خدمتي للعراق آخرتي).
كانت تقرأ باستمرار ونحن معها في المكتب كتيب (افراح الروح) للشهيد سيد قطب وتردد
اسطر قليلة منه (عندما نعيش لذواتنا فحسب، تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة، تبدأ من
حيث بدأنا نعي، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود، اما عندما نعيش لغيرنا، أي عندما
نعيش لفكرة، فان الحياة تبدو طويلة عميقة، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية، وتمتد بعد
مفارقتنا لوجه هذه الأرض).
فمن يا ترى الخاسر هل هو الشخص المهم في الدولة ام هي الرسالة الإسلامية وحاشا ان
تكون هي الخاسر، فالمعادلة الصحيحة اذاً، هي ان يكون هناك رابح وفي الاتجاه الآخر
خاسر فالمرأة الشهيدة طاهرة عفيفة خرجت من دارها لخدمة الاسلام العظيم والشخص المهم
ماضٍ في دربه الجهادي النضالي على وفق ما يراه حزبه مناسباً لخدمة العراق الحبيب.
وبذلك تكون المعادلة..ان الخاسر هي الجهة التي حكمت على نفسها بالموت قبل ان تحكم
على المسلمة الطاهرة (ميسون الهاشمي) او كما تحب هي ان يطلق عليها (ميسون سيد أحمد)
فهل هي جهة مسلمة عربية، فان كانت مسلمة فما شيء للإسلام ان يضم بين صفوفه إلا
الرؤوف الحنون الذي تربى على قاعدة ايمانية صلبة وهي ان لا يؤذي امرأة او شيخا او
طفلا او شجرة، وان كان عربياً فحاشا للدولة العربية العظيمة منذ نشأتها ومنذ ان
ضربت جذورها في الأرض من حمورابي الى آشور,,الى…الى..ان تضم بين صفحاتها واضحة
المعالم اناساً يقتلون امرأة، نعم امرأة ليس الا…
تقول الاخت اسراء محمد معاونة مديرة مكتب شؤون المرأة.. (كنا دائماً نطلب منها ان
تكون حذرة وتأخذ معها حماية فترد قائلة ان الله هو الحافظ (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا
إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ )..فلم تكن تعتد ابداً بغير حماية الله، والله عز وجل
ارادها ان تكون شهيدة راضية.
لقد عملت معنا بكل جد واخلاص وكسب احترام وحب الجميع، ولا أنسى أيضاً إنها كانت
تقول لنا (اعملوا من دون مقابل فنحن في زمن فيه الكثير ممن يقول لماذا أعطي دون
مقابل ولماذا لا اكون مثل غيري؟)، كانت رحمها الله دؤوبا تمتلك قوة شخصية وقابلية
على الإلقاء منذ ان كانت طالبة تنتهز الفرصة لتلقي قصيدة في حب الله سبحانه وتعالى
ورسوله (صلوات الله وسلامه عليه) وعندما صدر امر تعيينها اشترطت ان تكون خدمتها في
مكتب شؤون المرأة دون أجر، وتقول دائماً: (انا اعمل لآخرتي) وفعلاً أعطى (الله
سبحانه) لها الدليل على انها قد عملت لآخرتها.
وتقول الأخت إسراء: أود ان أوجه رسالة، لكن، لا اعرف لمن ولكن أقول (كيف تريدون ان
تبنوا البلاد بعد أن تقوموا بقتل كل العاملين المخلصين، فنحن لم نكن نرغب في دخول
العمل السياسي إلا لإنقاذ البلد فهو في سفينة توشك على الغرق وتحاول الأيادي
المخلصة النظيفة ان تصنع من أجسادها الطاهرة مجاذيف لإنقاذ السفينة فكيف تنقذ ومن
ينقذها والسهام تتوجه الى المخلصين من كل صوب، ولا أظن الا ان تكون غايتهم إغراق
سفينة العراق) لا سمح الله.
اما الأخت أسماء ضياء الدين، مسؤولة قسم الثقافة والإعلام، فقد تحدثت عن الشهيدة
قائلة: (هنيئاً لك الشهادة يا حبيبة القلب ويا روح الروح يا معلمة الأجيال وام
الأبطال وأخت الشهداء وعنوان التحدي والإقدام يا هاشمية الروح والمشاعر لكِ
اعتزازنا وخالص حبنا، لقد كنت بالأمس قريبتنا ومعلمتنا وستبقين كذلك وأنت اليوم
تتركين فينا درساً لن ننساه طوال حياتنا فعندما تبتسمين للشهادة كانك تقولين لنا
انظروا فقد سبقتكم الى الفردوس فثمة رائحة للجنة عندها..
في ذلك اليوم الحزين رفعت سماعة الهاتف لأقول لها انني لا أستطيع الحضور اليوم
وتقول لي لك ما تشائين يا ابنتي..فكم تمنيت ان أوافيها الى النعيم الى جنات الخلد.
لقد كنت اجلس الى جانبها في سيارة المكتب البسيطة كل يوم تعلمني درساً من دروس
الحياة ولا أستطيع ان أنسى ما كانت تقوله لي (كم نمنح لأنفسنا من الطمأنينة والراحة
والسعادة حين توسع عطفنا وحبنا للآخرين، يوم تنمو في أنفسنا بذرة الحب والعطف
والخير).
كانت تعلمنا دوماً ان التخطيط الناجح للعمل والتأني في الاختيار والدقة والمتابعة
هي السبيل الى نجاح العمل وفي الحقيقة هذا ما كنا نفتقده وبعد ان اغتنينا بوجودها
فارقتنا، اما موقفها من استشهاد أخيها فكان موقفاً رصيناً..فما عزّاها احد الا
قابلته بابتسامة قائلة.. الحمد لله الذي شرفنا باستشهاد أخينا.. وكثيراً ما كانت
تردد (اللهم اجعلني اول الناس لحوقاً بأخي من اهل بيته)..واهم صفة من صفاتها انها
كانت زاهدة في كل شيء، كنا نقول لها انك تملكين الصلاحيات باعتبارك مديرة مكتب شؤون
المرأة وتقول لا اريد ان املك أي شيء سوى رضا الله، عز وجل.
لم تشعر حين تحدثهن انك امام نساء لم يدركن من الحياة الا ايسرها واترفها بل تحس
بانك امام جبل شامخ راسخ في الأرض ثبتت على صخوره رايات (لا إله الا الله) وانطلقت
سائرة، نحو القمة لا تطلب من الدنيا زيفها ولا من المكاسب بريقها بل تطلب رضا الله،
عز وجل، في ان ينظر عباد مخلصون له وحده لا يدفعهم الى الشهادة الا ان يروا راية لا
اله الا الله عالية خفاقة وستبقى بحق انسانة رقيقة المشاعر قوية الايمان.
انا لله وانا اليه راجعون..
وحسبنا الله ونعم الوكيل.