ان الفساد الاداري اصبح في وقتنا الحاضريشكل آفة خطيرة تهدد الكيان المؤسساتي للدول وينعكس اثر ذلك على اساس التنمية الاقتصادية والاجتماعية للانسان والمجتمع وتتضاءل مستويات هذه التنمية كلما ازدادت وانتشرت ظاهرة الفساد الاداري في المؤسسات الحكومية
وان انتشار هذه الظاهرة مرتبط بموضوع الشفافية في العمليات الادارية لدى مؤسسات الدولة ولما كان الفساد الإداري هو استغلال الموظف للصلاحيات الإدارية أو المنصب الحكومي العام المخول له بنفسه أومن خلال غيره أو بناء على مايتمتع به الموظف من أداء خدمة عامة ويكون هذا الاستغلال إما لأغراض شخصية أو نفعية أو لميول عاطفية أو قبلية وكل مايدخل تحت نمط المحسوبية والمنسوبية بما يخل بعدالة وحيادية العمل الإداري الحكومي العام.
فان هناك توازياً بين مفهوم الشفافية والفساد فالشفافية تعني العلانية في الأعمال والإجراءات الحكومية والإشهار العام والواضح للبيانات واليات الأعمال الإدارية العامة ضمن طرق عمل واضحة ومبسطة للجمهور فيما يخص الأعمال الحكومية مثل المدخلات والمخرجات كالواردات العامة والصادرات والصرفيات والمشاريع الكبيرة والعقود الحكومية والمناقصات والمزايدات العامة وجميع الأعمال الحكومية التي ترتبط ارتباطاً مباشراً بالقطاع الخاص أو حياة المواطن مما يتيح للأفراد إمكانية الاشتراك في تنفيذ هذه الأعمال ويتيح للمجتمع ووسائل الاعلام والقضاء والأجهزة الرقابية لممارسة عملها ومعرفة مجريات الأعمال الإدارية الحكومية لذا فان أحسن مناخ لانتشار الفساد هو غياب الشفافية إذن فالعلاقة بين الفساد والشفافية علاقة عكسية بحيث كلما ارتفعت مؤشرات الشفافية في الأعمال الحكومية من جهة كلما انحسرت مؤشرات الفساد وانكشفت من جهة أخرى.
والشفافية لكي تتحقق يجب أن تقوم على عنصرين أساسيين أولهما العلانية وثانيهما القانونية فالعلانية توجب على الإدارة أن تضع آليات العلانية مثل الصحافة والتلفزيون والنشرات الوزارية والندوات والمؤتمرات واللقاءات ...الخ بحيث تتيح للمواطن العادي والمراقب معرفة مايجري من أعمال حكومية في مختلف وزارات الدولة ومؤسساتها.
أما القانونية فتتمثل بوجود النصوص القانونية الثابتة والقوية أو أنظمة أو تعليمات إدارية تعمل من ناحية أو تراعي المصلحة العامة للشعب ومن ناحية أخرى تعمل على تبسيط الإجراءات والأعمال الحكومية وتقديم أفضل خدمة للمواطن وان تبسيط الإجراءات والروتين المعقد يقطع الطريق أمام النفوس الضعيفة ويحجم ممارسات الفساد ومتى ماتوصلت الحكومة والقوانين التي تسنها إلى المستوى الذي تتوفر فيه الضمانات الحقيقية والقوية لشيوع الشفافية الإدارية في مؤسسات الدولة سوف نستطيع الحد من الفساد الإداري بشكل متسارع وفعال ويتمم ذلك العمل توفر إرادة سياسية حقيقية تجعل من أولويات عملها القضاء على الفساد وخاصة فيما يتعلق بالبنى التحتية للمجتمع وما يمس حياة الموطن البسيط وسوف يهيئ ذلك على الكشف عن كل الحالات الرديئة أو عدم الكفاءة والفعالية في الأعمال الحكومية في أية دائرة حكومية وفي ظل تعاون مشترك بين الشعب والسلطة والانفتاح على الآخرين من دون وجود خنق للعملية السياسية ووجود تداول سلمي للسلطة ضمن آليات وممارسات ديمقراطية حقيقية في مجتمع متحضر و لا سبيل إمام تفعيل آليات الرقابة والكشف لنقاط الفساد الإداري والسياسي إلا في توافر الشفافية و اخذ مداها الحقيقي في الرقابة.انه من المعروف ( ان الديمقراطية لا يمكنها ان تتساهل مع الفساد و الغش وغياب النزاهة , خصوصا ان تلك الممارسات تؤذي الفقراء).ان المؤشرات الدولية الحديثة أصبحت تؤكد قاعدة حياتية وسياسية وإدارية إلا وهي ان الديمقراطيات ابعد ما تكون عن الفساد الإداري ، بحيث تكون اقرب الأنظمة الى النزاهة الإدارية دائما، بينما تقترب الأنظمة الدكتاتورية او شبه الدكتاتورية ، او الشمولية او أحادية الحزب الحاكم ، و النامية - والتي عادة تخضع لأنظمة الحكم الأحادية والعسكرية - الى الفساد وغياب النزاهة الشفافية.
اذن المعادلة تشير الى ان الانظمة السياسية اكثر ما يحدد مصائر الإدارات نحو الفساد الإداري من عدمه.
ففي الأنظمة الديمقراطية , يعتمد المواطنون على وسائل الاعلام للتخلص من الفساد, وكشف سوء تطبيق العدالة,او عدم الكفاءة وفعالية عمل جهاز حكومي معين اننا اليوم باشد الحاجة الى النظام الديمقراطي الحقيقي ، الذي يسود فيه القانون ، يوجد فيه فصل حقيقي بين السلطات ، والتعددية السياسية بدون تطويق او خنق للعملية السياسية فيها ، وتداول سلمي للسلطة ، وضمانات دستورية وقانونية للجهات الرقابية ، بدورها نستطيع التخفيف من الفساد او القضاء عليه ، ولا يمكن لهذه الاجهزة الرقابية ان تحقق اهدافها الا في ظل أنظمة ديمقراطية تعتمد على معايير الشفافية في جميع ميادين الحياة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.